السيرة الذاتية كلمة المشرف أعمال المشرف

إجعلني الرئيسيةتواصل معنااللغة الإنجليزية قريبـاً - إن شاء الله


   

 
 

 

اسم المستخدم :

 

كلــــمة المــــرور :

عضو جديـد

 

عدد المتواجدون الآن1

 

عـــدد الـــزوار : 38121

 

رمضان يوم بيوم

 

رمضان يوم بيوم

صناعة المشرف والمعلم في حلقات التحفيظ
التاريخ : الثلاثاء : 3 / سبتمبر / 2008

المقدمــــة

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد /

فهذه ورقة عمل مقدمة لملتقى الجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم والذي يقام بجمعية تحفيظ القرآن الكريم بمحافظة جدة برعاية صاحب السمو الملكي الأمير /
عبدالمجيد بن عبدالعزيز آل سعود، وهي بعنوان (صناعة المدرس والمشرف في حلقات التحفيظ واستقرارهما) .

وقد حاولت – جاهداً – الاختصار ما استطعت، بل قمت بحذف بعض المباحث، حيث بلغت الورقة ضعف ما قدمته، ولم أوف الموضوع حقه؛ لعظيم شأنه وتشعبه .

وأرجو من الله أن يعين – فيما يستقبل من الأيام – على إكمال ما نقص وإضافة ما حذف من الموضوع حتى يظهر بثوب قشيب يثري الجانب التعليمي والإداري في حلقات تحفيظ القرآن الكريم في الجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم .

والله الهادي إلى سواء السبيل ...

 


شكر وتقدير :

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين .         وبعد

فأشكر الله الكريم الذي تكفل بحفظ كتابه فقال سبحانه : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9) ، وأكرم سبحانه بعض خلقه فجعلهم من حفاظ كتابه ، وحراس ملته .

وأشكر حكومتنا الرشيدة ـ وعلى رأسها خادم الحرمين الشريفين وولي عهده والنائب الثاني  على كل ما يبذل في خدمة القرآن الكريم ، وعلى العناية التي يلقاها حفاظه.

والشكر موصول لراعي هذا الملتقى المبارك صاحب السمو الملكي الأمير عبد المجيد بن عبد العزيز، صاحب الأيادي البيضاء والأفعال الكريمة .

كما أشكر لوزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد ممثلة في ـ وزيرها ـ معالي الشيخ الدكتور/ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ رئيس المجلس الأعلى للجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم ، أشكر لهذه الوزارة جهودها المبذولة لهذه الجمعيات المباركة .

وأشكر الأمانة العامة لجمعيات تحفيظ القرآن الكريم على المتابعة الدائمة والأعمال المتتابعة والدراسات الرائدة التي تقدمها لرفع مستوى الجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم .

وأشكر جمعية تحفيظ القرآن الكريم بمحافظة جدة على عقدها لهذا الملتقى المبارك الذي يحمل في طياته أهدافا سامية لمواضيع بنّاءة .

وأشكر الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بالمدينة المنورة ـ ورئيس مجلسها الأمين العام لمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة فضيلة الأستاذ الدكتور /
محمد سالم بن شديد العوفي ـ وذلك لإتاحة الفرصة لي للكتابة في هذا الموضوع والمشاركة في هذا الملتقى المبارك .


 

فضل تعلم القرآن الكريم :

عندما ذهبت أقلب آيات القرآن الكريم وجدتني أغترف من بحر لا ساحل له من الآيات التي أثنى الله فيها على كتابه - فالآيات كثيرة - ولكنني سأحاول التدليل على مكانة القرآن وفضله بذكر هذه الآيات ـ فقط ـ وإلا فالقرآن كله دليل على عظمته وفضله :

1-     فهو كتاب هداية ؛ يهدي للتي هي أقوم ، قال تعالى : ) إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ) (الإسراء:9)

2-     وهو النور الذي يهدي به الله من يشاء من عباده ، قال تعالى : )وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الشورى:52)

3-     هو الصراط المستقيم الذي أمر الله باتباعه ، قال تعالى : )وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (الأنعام:153)

4-     بل إن الله جعله فخرا لهذه الأمة على مر الزمان ، وألزمها الاهتمام به ودرسه وتعلمه وتعليمه والعمل بما فيه ، قال تعالى : ( فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ )
(الزخرف: 43، 44)
.

ثانيا من السنة :

وأما النبي r فقد أشاد بالقرآن الكريم أيما إشادة ، وباختصار أيضا سأذكر طرفا من لعناية التي أولاها النبي r للقرآن الكريم :

1-     فقد حث على حفظ القرآن الكريم وقراءته وبين مكانة حافظ القرآن بين الناس ـ مؤمنهم وكافرهم ـ فعَنْ اَبِي مُوسَى الاَشْعَرِيِّ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ‏"‏ مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَاُ الْقُرْانَ مَثَلُ الاُتْرُجَّةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لاَ يَقْرَاُ الْقُرْانَ مَثَلُ التَّمْرَةِ لاَ رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَاُ الْقُرْانَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لاَ يَقْرَاُ الْقُرْانَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ لَيْسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ ‏"‏ ‏.‏

بل جعل الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة فعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ‏"‏ الْمَاهِرُ بِالْقُرْانِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ وَالَّذِي يَقْرَاُ الْقُرْانَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ اَجْرَانِ ‏"‏ ‏.‏

2-     وحث على تعلم القرآن وتعليمه فعَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ . رواه البخاري . وفي رواية : إِنَّ أَفْضَلَكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ. رواه البخاري .

قال ابن حجر : ولا شك أن الجامع بين تعلم القرآن وتعليمه مكمل لنفسه ولغيره جامع بين النفع القاصر والنفع المتعدي ولهذا كان أفضل، وهو من جملة من عنى سبحانه وتعالى بقوله ‏:‏ ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فصلت:33)، والدعاء إلى الله يقع بأمور شتى من جملتها تعليم القرآن وهو أشرف الجميع .

3-     وأعلى من شأن صاحب القرآن الذي يقوم به آناء الليل ، وأبطل الحسد في تمني مكانه فعَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ ‏"‏ لاَ حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ ‏"‏ ‏.

وقد بين صلى الله عليه هذا الحسد في حديث أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ فَسَمِعَهُ جَارٌ لَهُ فَقَالَ لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَهُوَ يُهْلِكُهُ فِي الْحَقِّ فَقَالَ رَجُلٌ لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ . رواه البخاري .

4-     وقال صلى الله عليه وسلم ـ موجها لتعلمه وقراءته وإقرائه ـ : تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ فَاقْرَءُوهُ وَأَقْرِئُوهُ فَإِنَّ مَثَلَ الْقُرْآنِ لِمَنْ تَعَلَّمَهُ فَقَرَأَهُ وَقَامَ بِهِ كَمَثَلِ جِرَابٍ مَحْشُوٍّ مِسْكًا يَفُوحُ بِرِيحِهِ كُلُّ مَكَانٍ وَمَثَلُ مَنْ تَعَلَّمَهُ فَيَرْقُدُ وَهُوَ فِي جَوْفِهِ كَمَثَلِ جِرَابٍ وُكِئَ عَلَى مِسْكٍ ‏"‏ ‏. رواه الترمذي وحسنه.

 

القرآن الكريم بين النبي r وجبريل عليه السلام :

لقد نعت الله جبريل عليه السلام في كتابه الكريم ـ في سورة التكوير ـ مبينا مكانته ومقامه عند الله : فقال تعالى : ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) (التكوير: 19 ، 20 ، 21) .

كما نعت الله نبيه محمداًr  ـ في سورة الحاقة ـ ونفى عنه بعض ما اتهمه به الكفار، فقال سبحانه : ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (42) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (43)
(الحاقة: 40 ، 41 ، 43 ، 43) .

ونسبة القول إلى النبيr  ، وإلى جبريل عليه السلام إنما هي نسبة تبليغ لا نسبة إسناد ، فالكلام كلام الله، والمبلغ له جبريل عليه السلام إلى النبي r ، وبلغه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمته من غير زيادة ولا نقصان .

وكان أول لقاء بين النبي صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام في غار حراء ، وأول ما نزل به جبريل عليه السلام من القرآن ـ على النبي صلى الله عليه وسلم ـ الآيات الخمس الأول من صدر سورة العلق , وهي قوله تعالى : ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) (العلق: 1، 2 ، 3 ، 4 ، 5) .

·       ثم تتابع الوحي في أوقات متفاوتة ، وكل ذلك بأمر الله حسب الحوادث والوقائع  في حياة النبي r الدعوية .

وكان الوحي ينزل على النبي  rبواسطة جبريل عليه السلام ـ وكان جبريل يأتي للنبي  صلى الله عليه وسلم وبصور شتى :

·       مثل صلصلة الجرس , وكان أشده عليه .

·       ويأتيه جبريل بصورة رجل فيكلمه .

·       أو يلقي الله في قلبه ما يشاء .

·       وربما رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل على صورته الملكوتية وهذا نادر.

·       الرؤيا المنامية . وليس في القرآن شيء من ذلك .

وقد ذكر الله في القرآن صوراً لوحيه إلى رسله ، فقال تعالى : ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) (الشورى:51) .

وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه جبريل بشيء من القرآن يُكْثِرُ ـ في بداية الأمر ـ من ترداد ما نزل إليه ـ خشية نسيانه ـ وربما أكثر التكرار لتثبيته ـ وأجهد نفسه في ذلك فأخبره الله سبحانه بأنه عز وجل سيتولى تثبيته ، وأنه لم ينزله إلا ليبقى , ونهى الله سبحانه  النبي  rعن الاستعجال في تكراره ، قال تعالى : ( فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً ) (طـه:114) .

وقال تعالى : ( لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19) (القيامة: 16، 17، 18، 19 ) ، فَعَلِمَ r أن الله حافظٌ ما أنزل إليه ومثبته في صدره.

وكان جبريل عليه السلام  يدارس النبي  rالقرآن في كل رمضان مرة ، ودارسه في آخر رمضان من حياته r مرتين ، ولعل السبب في المدارسة مرتين تثبيت القرآن وتأكيد بقاء ما لم ينسخ من القرآن.

واستمر نزول جبريل عليه السلام بالوحي على النبي r ثلاثاً وعشرين سنة ، فلما قرب أَجَلُ النبي صلى الله عليه وسلم كان نزول الوحي على أشده ، ولم يمت r إلا وقد اكتمل نزول القرآن الكريم .

 

القرآن الكريم بين النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام رضي الله عنهم .

بعد نزول صدر سورة العلق تأثر النبي صلى الله عليه وسلم ـ من الموقف الذي حصل له ـ جداً حتى ذهب إلى زوجه خديجة رضي الله عنها فوجد عندها الشفاء لما حصل له فبشرته بخير ـ على عادة الزوجة الصالحة ـ ، فعَنْ عَائِشَةَ -اُمِّ الْمُؤْمِنِينَ – رضي الله عنها اَنَّهَا قَالَتْ‏:‏ اَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا اِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ‏ ، ثُمَّ حُبِّبَ اِلَيْهِ الْخَلَاءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ، فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ -وَهُوَ التَّعَبُّدُ -اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ، قَبْلَ اَنْ يَنْزِعَ اِلَى اَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ اِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ‏:‏ اقْرَاْ‏.‏ قَالَ‏:‏ مَا اَنَا بِقَارِئٍ‏.‏ قَالَ‏:‏ فَاَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ اَرْسَلَنِي فَقَالَ‏:‏ اقْرَاْ‏.‏ قُلْتُ‏:‏ مَا اَنَا بِقَارِئٍ‏.‏ فَاَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ اَرْسَلَنِي فَقَالَ‏:‏ اقْرَاْ‏.‏ فَقُلْتُ‏:‏ مَا اَنَا بِقَارِئٍ‏.‏ فَاَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ، ثُمَّ اَرْسَلَنِي فَقَالَ‏: ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3)، فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- فَقَالَ‏:‏ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي‏.‏ فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَاَخْبَرَهَا الْخَبَرَ‏:‏ لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي‏.‏ فَقَالَتْ خَدِيجَةُ‏:‏ كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ اَبَدًا، اِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ‏.‏ فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى اَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ اَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى -ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ - وَكَانَ امْرَاً قَدْ تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ، فَيَكْتُبُ مِنْ الْاِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ اَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ‏.‏ فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ‏:‏ يَا ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنْ ابْنِ اَخِيكَ‏.‏ فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ‏:‏ يَا ابْنَ اَخِي مَاذَا تَرَى‏؟‏ فَاَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -خَبَرَ مَا رَاَى‏.‏ فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ‏:‏ هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي اَكُونُ حَيًّا اِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ‏.‏ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -‏:‏ اَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ‏؟‏ قَالَ‏:‏ نَعَمْ، لَمْ يَاْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ اِلَّا عُودِيَ، وَاِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ اَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا‏.‏ ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ اَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الْوَحْيُ‏.‏ متفق عليه .

ولما جاء عليه الصلاة والسلام إلى بيته فزعاً ـ بعد أن رأى جبريل عليه السلام على هيئته الملكوتية ـ  قال لزوجه دثروني دثروني ـ لشدة ما نزل به ـ فأنزل الله عليه ـ وهو في تلك الحالة ـ قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر ُ(1) قُمْ فَأَنْذِرْ(2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ(3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ(4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ(5) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ(6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ(7) (المدثر: 1ـ7) .

عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ قَالَ فِي حَدِيثِهِ بَيْنَا أَنَا أَمْشِي سَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَفَرِقْتُ مِنْهُ فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَدَثَّرُوهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرِّجْزَ فَاهْجُرْ قَالَ أَبُو سَلَمَةَ وَهِيَ الْأَوْثَانُ الَّتِي كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَعْبُدُونَ قَالَ ثُمَّ تَتَابَعَ الْوَحْيُ. متفق عليه .

التعليم الفردي :

ولما نزلت تلك الآيات بدأ النبي صلى الله عليه وسلم الدعوة الفردية , وكان أول من أسلم ـ من البشر ـ بإجماع العلماء خديجة رضي الله عنها ، ثم أسلم من الرجال أبو بكر الصديق رضي الله ، ومن الأطفال علي بن أبي طالب رضي الله عنه ـ وكان يعيش مع النبي صلى الله عليه وسلم في بيته تخفيفاً على عمه أبي طالب الذي كان كثير العيال ـ ثم أسلم بعد ذلك بلال بن رباح رضي الله، وكان صلى الله عليه وسلم يعلم من أسلم منهم  ما ينزل عليه أفراداً وكان يعلمهم على النحو التالي :

·   يعلم النبي صلى الله عليه وسلم بعضهم ويأمرهم بتعليم غيرهم ممن أسلموا ، لأن الدعوة لم تزل سرية ؛ وهو الأفضل لحالها.

·   وكان يرسل بعض المتقنين منهم إلى بيوت الذين أسلموا فيعلمون الرجال , والنساء ؛ كما في قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ـ مع أخته وزوجها سعيد بن زيد ـ عند إسلامه ، فقد دخل عليها وعندها خباب بن الأرت رضي الله عنهم يعلمها القرآن .

 

التعليم الجماعي :

ولما دخل عليه الصلاة والسلام دار الأرقم بن أبي الأرقم أصبحت تلك الدار ـ أول دار لتعليم القرآن بصورة جماعية ـ فهي أشبه بِكُتَّابٍ يديره المصطفى عليه الصلاة والسلام، وأعجبني قول بعضهم : أول حلقة للتحفيظ في مكة كانت في غار حراء , المعلم فيها جبريل والمتعلم النبي صلى الله عليه وسلم .

ولما تسامع الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم استطلع كثير منهم لمعرفة أمره وخبره, فمنهم من أرسل رسولاً ، ومنهم من قدم بنفسه .

·   ـ فهذا أبو ذر رضي الله عنه أرسل أخاه ، ولما رجع إليه بالخبر قال له لم تشفني ، فذهب بنفسه وكانت قصته المشهورة، فلم يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا بعد تعب ـ وفي سِرِّية تامّة ـ ولما قرأ القرآن ـ وتبين له صدق النبي صلى الله عليه وسلم ـ  خرج إلى المسجد ، وصدع بكتاب الله بين ظهراني المشركين ، فنالوا منه وضربوه حتى شارف على الموت , ثم تركوه خشية موته ؛ لأنه من قبيلة غفار ـ وهي قبيلة تسكن في طريق تجارتهم إلى الشام  ـ فخافوا على تجارتهم فتركوه لذلك.

·   وهذا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ترك رعي الغنم واتجه للنبي صلى الله عليه وسلم وقرأ عليه القرآن، فصدع به، ونال منه المشركون نيلاً عظيماً .

·   وجاء الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه إلى مكة فحذره أهل مكة من النبي صلى الله عليه وسلم ومن سماع ما يقول, حتى أنه حشى أذنيه قطناً لئلا يصل إليه شيء مما يقول النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه رضي الله عنه عاد إلى رشده , وكان رئيساً في قومه ـ يعرف الشعر ويحسن النثر ويعرف حال الكهان ـ فاتهم نفسه وأحتقر ما صنع ، فأخرج القطن من أذنيه واستمع للنبي صلى الله عليه وسلم ـ فأعجبه ما سمع ـ فأسلم ، ورجع إلى أهله وقومه داعياً إلى الله فأسلم كثير منهم وذلك في قصة عظيمة جاءت في كتب السيرة والسنة .

وقد تعلم بهذه الطريقتين ـ الفردية والجماعية ـ بعض أهل مكة وقليل من خارجها , ثم كانت الهجرة الأولى والثانية إلى الحبشة , وذلك بعد أن اشتد الحال على من أسلم من رجال ونساء من الأحرار والعبيد , وكان المهاجرون إلى الحبشة يُعَلِّمُ لأحفظ منهم من دونه وهم في مهجرهم ذلك .

ولما أراد الله لدينه الانتشار سَخَّرَ له كوكبة من الأنصار استجابت لعرض النبي صلى الله عليه وسلم ـ وكان يعرض نفسه في القبائل في المواسم ـ فأسلموا ـ وكانت بيعة العقبة الأولى ـ وكان عدد المبايعين فيها  اثني عشر رجلاً ، وطلبوا من النبي صلى الله عليه أن يرسل معهم معلماً يعلمهم القرآن والدين ، فأرسل معهم النبي صلى الله عليه وسلم ـ في أول بعثة علمية إلى خارج مكة ـ الصحابي الجليل الكبير القدر مصعب بن عمير رضي الله عنه ؛ ليعلمهم الإسلام والقرآن .

وفي المدينة ـ وكان اسمها يثرب ـ قام مصعب رضي الله عنه بعمله خير قيام ـ يرعاه الله بحفظه ويكلأه بتوفيقه ـ فلم يتم العام حتى وصل القرآن الكريم إلى كل بيت ـ في المدينة ـ ولم يبقى بيت إلا وقد أسلم منه بعض أفراده إذا لم يسلم البيت كله .

ثم كانت بيعة العقبة الثانية وبايع أهل المدينة النبي صلى الله عليه وسلم على أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأموالهم فبايعهم النبي صلى الله عليه وسلم بيعة عظيمة ـ حضرها معه عمه العباس ليستوثق لأمر ابن أخيه ـ وكان عدد المبايعين فيها اثنان وسبعون رجلا وامرأتان  ، ومكث صلى الله عليه وسلم زمنا ً ـ كان يأمر خلاله من أسلم بالهجرة إلى المدينة ـ ينتظر الأمر من الله بالهجرة إلى المدينة .

 وبعد وفاة عمه أبي طالب ـ الذي كان مشركاً سَخَّرَهُ الله لحماية النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته - وبعد وفاة زوجه خديجة رضي الله عنها ـ وكانت له البلسم الشافي من كل ما يناله من المشركين ـ اشتدت وطأة المشركين على النبي عليه الصلاة والسلام ونالوا منه كثيراً، فأمره الله بالهجرة إلى المدينة .

وفي المدينة كانت الدعوة في حرية تامّة حيث بسط الإسلام نفوذه على ربوعها ـ وعاهد النبي صلى الله عليه وسلم اليهود ـ واستتب له الحال فيها , وبدأ ترتيب الدولة الإسلامية علمياً وعمليا في جوانب كثيرة .

 وقد أولى النبي صلى الله عليه وسلم  العلم عناية كبيرة أخذت أشكالاً متعددة تدل على اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بالعلم والتعليم , ويمكنني بالاستقراء , ذِكْرُ الآتي :

أ ـ التعليم في حلقاتٍ في المسجد ـ وهذه تكون غالبا ـ بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ويحضرها كبار الصحابة ثم يذهبون إلى أحيائهم يعلمون من حولهم من أهل وذرية وجيران ؛ كما كان يفعل معاذ بن جبل رضي الله عنه ، وكما كان يفعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع جاره حيث كان ينزل يوما إلى النبي صلى الله عليه وسلم يتعلم منه ويبقى جاره، فإذا عاد إلى جاره أخبره بما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك كان يفعل جاره .

ب ـ وكانت الدروس بمقدار معين ؛ لأن العرب ـ مع قوة الحافظة لديهم ـ لم يألفوا هذا النظم البديع للقرآن الكريم - الذي تغيرت فيه المعاني والسلوكيات التي كانت سائدة بينهم - فقد أتى بالمعاني الكاملة والأحكام المحكمة والأخلاق الفاضلة ، وأذكر بعض الروايات التي تحدثنا عن مقدار الدرس اليومي الذي كان يحفظه الصحابة رضي الله عنهم :

·   حكى لنا أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله عن الصحابة الذين أخذ عنهم القرآن - أبي بن كعب وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان رضي الله عنهم - بأنهم لم يكونوا يجاوزون عشر آيات حتى يحفظوها ويعملوا بما فيها قالوا : فتعلمنا العلم والعمل .

·   وجاء عن أبي موسى رضي الله عنه أنه كان يعلم تلاميذه خمسا خمسا ، ومثله جاء عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه .

·   وجاء عن أبي موسى رضي الله عنه أنه كان يُجْلِسُ تلاميذه حلقاً حلقاً ، ثم يسأل الرجل عن آخر آية حفظها ثم يعطيه الآية التي تليها ويأمره بحفظها ثم ينتقل إلى الذي بعده ، وهكذا حتى يعود الدور على الذي بدأ منه .

·   وكان كتّاب الوحي يكتبون ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم ولا شك أنهم يحفظون ذلك ـ بعد أخذه من النبي صلى الله عليه وسلم ـ وبالتالي يعلّمونه من حولهم .

·   وقد أجاد بعض الصحابة رضي الله عنهم الحفظ - وتميزوا بحسن القراءة - فأثنى النبي صلى الله عليه وسلم عليهم وأمر بالأخذ عنهم ، ومنهم عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وأبي موسى الأشعري وغيرهم رضي الله عنهم , وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم أصبح كل واحد من هؤلاء إماما للقراء في قطر من أقطار العالم الإسلامي آنذاك .

·   وكان صلى الله عليه وسلم يرسل ـ في بداية الأمر ـ بعض أصحابه لتعليم القرآن الكريم للقبائل القريبة من المدينة , ولما ظهر أمره - وأشتهر عليه الصلاة والسلام - جاءه بعض أعلام العرب ليرسل إليهم من يعلمهم القرآن ويبصرهم بالدين فأرسل عليه الصلاة والسلام جماعة من القراءة مع سيد من سادات العرب ـ هو أبو براء مالك بن جعفر ملاعب الأسنة ـ ، وكان عددهم أربعين ـ وقيل سبعين ـ  فسار بهم إلى وجهته التي يريد فلما وصلوا إلى حي من أحياء العرب استعدى عليهم ـ عدوا الله ـ عامر بن الطفيل العامري بعض قبائل سليم - وَخَفَر ذمام خاله الذي أحضرهم معه - فقتلوهم جميعاً ولم ينج منهم إلا صحابي واحد ، في قصة مشهورة روى البخاري بعضها .

·   وفي عام الوفود - بعد فتح مكة - دخل الناس في دين الله أفواجاً , أرسل النبي صلى الله عليه وسلم كبار القراء من الصحابة رضي الله عنهم إلى مناطق شتى من الجزيرة .

فأرسل معاذاً إلى اليمن وأرسل أبا موسى رضي الله عنه إلى منطقة أخرى في اليمن وأتبعهما علياً رضي الله عنه إلى اليمن وأرسل أبا عبيدة رضي الله عنه مع وفد نجران.

·   وكانت بعض القبائل ترسل منها ـ إلى المدينة ـ من يتعلمون القرآن والدين ثم يعودون ليعلموا أقوامهم ما تعلموه من النبي صلى الله عليه وسلم ، فعن مَالِك بن الحويرث رضي الله عنه قال : أَتَيْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحِيمًا رَفِيقًا فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّا قَدْ اشْتَهَيْنَا أَهْلَنَا أَوْ قَدْ اشْتَقْنَا سَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا بَعْدَنَا فَأَخْبَرْنَاهُ قَالَ: ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ - وَذَكَرَ أَشْيَاءَ أَحْفَظُهَا - أَوْ لَا أَحْفَظُهَا وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ . متفق عليه .

·   بل كانت بعض القبائل تأتي كلها إلى المدينة ـ طلباً لشرف التعلم من النبي صلى الله عليه وسلم ـ وكان هذا الأمر يثقل النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنهم يحتاجون لبيوت تؤويهم, وأطعمة تكفيهم مع أسرهم , فأنزل الله قوله تعالى : ( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (التوبة:122) .

وأخيراً : كان صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه القرآن بالكيفية التي نزل بها - على سبعة أحرف - وكانوا يأخذون منه على قدر ما أعطاهم الله من ملكة وقوة في الحفظ وقدرة على استيعاب تلك الأحرف، وما توفي عليه الصلاة والسلام إلا وقد حفظ القرآن من أصحابه عدد كبير ـ بالنسبة لعدد المسلمين في ذلك الوقت ـ وكان القرآن أيضا محفوظا بالكتابة فيما توفر لديهم من الأشياء التي كتبوا فيها ـ بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ـ مثل اللخاف والعسب والرقاع والأكتاف ونحوها.

وجاءت الروايات بذكر عدد الحفاظ في الصحيحين ـ وغيرهما ـ وقد استوعب تلك الروايات بعض العلماء فذكروا كثيراً من الحفاظ ـ من الصحابة رضي الله عنهم ـ في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، وبعد مماته، كما ذكر ذلك الزرقاني وغيره .

 

القرآن الكريم بين الصحابة رضي الله عنهم والتابعين :

 

لقد كان القراء ـ في الصحابة ـ يتبوءون منزلة كبيرة بينهم فيُجَلُّون ويحترمون ، بل إن الذي يحفظ البقرة وآل عمران يكبر في عيونهم ، وكيف لا يكون ذلك وهم سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يثني على أهل القرآن وحفاظه ، قال أنس رضي الله عنه : كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا . رواه أحمد .

وفي صحيح ابن حبان عد فينا ذو شأن .

فكانوا يتسابقون في حفظ القرآن الكريم ، وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بقراءة القرآن على عدد منهم ، فعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما إن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  كان يقول: استقرؤوا القرآن من أربعة؛ عبدالله بن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب رضي الله عنهم .

وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول : حفظت من في رسول الله  صلى الله عليه وسلم  سبعين سورة .

وقال أبو مسعود رضي الله عنه : والله لا أعلم أحدا تركه رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أعلم بكتاب الله تعالى من هذا وأشار الى ابن مسعود . رواه مسلم

ولما توفي النبي صلى الله عليه وسلم ، برزت مكانة ألئك القراء ، فجعلهم المسلمون قبلتهم في حفظ القرآن الكريم وتعلمه .

ولما بدأت الفتوحات الإسلامية - دخل الناس في دين الله أفواجاً - احتاج القادة لمعلمين يعلمون الناس القرآن، والأثر الآتي يبين لنا كيف كان الصحابة رضي الله عنهم يولون تعليم الناس القرآن العناية الكبرى ، لأن أشرف ما يوصلونه للناس بعد إسلامهم القرآن الكريم.

عن محمد بن كعب القرظي قال : جمع القرآن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم خمسة من الأنصار معاذ بن جبل وعبادة بن صامت وأبي بن كعب وأبو أيوب وأبو الدرداء ، فلما كان زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إليه يزيد بن أبي سفيان إن أهل الشام قد كثروا - وربَّلوا وملؤوا المدائن واحتاجوا إلى من يعلمهم القرآن ويفقههم - فأعني يا أمير المؤمنين برجال يعلمونهم، فدعا عمر أولئك الخمسة فقال لهم: إن إخوانكم من أهل الشام قد استعانوني بمن يعلمهم القرآن ويفقههم في الدين فأعينوني رحمكم الله بثلاثة منكم إن أجبتم فاستهموا - وإن انتدب ثلاثة منكم فليخرجوا - فقالوا : ما كنا لنتساهم هذا شيخ كبير لأبي أيوب ، وأما هذا فسقيم لأبي بن كعب ، فخرج معاذ وعبادة وأبو الدرداء فقال عمر : ابدؤوا بحمص فإنكم ستجدون الناس وجوهاً مختلفة - منهم من يلقن - فإذا رأيتم ذلك فوجهوا إليه طائفة من الناس ، فإذا رضيتم منهم فليقم بها واحد وليخرج واحد إلى دمشق والآخر إلى فلسطين ، وَقَدِمُوا حمص فكانوا بها حتى إذا رضوا من الناس أقام بها عبادة وخرج أبو الدرداء إلى دمشق ومعاذ إلى فلسطين، وأما معاذ فمات بها وأما أبو الدرداء فلم يزل بدمشق حتى مات .

وأشهر المدارس في الأمصار الإسلامية في عهد الصحابة رضي الله عنهم : مدرسة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في مكة ، ومدرسة أبي بن كعب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما في المدينة، ومدرسة ابن مسعود وعلي بن أبي طالب في العراق ، ومدرسة أبي الدرداء والضحاك بن قيس رضي الله عنهما في الشام.

وكان الصحابة رضي الله عنهم يوصون تلاميذهم بالضبط عنهم ، ويوصونهم بالإتباع وعدم الابتداع . 

قال ابن مجاهد : والقراءة التي عليها الناس ـ بالمدينة ومكة والكوفة والبصرة والشام ـ هي القراءة التي تلقوها عن أوليهم تلقيا ، وقام بها في كل مصر من هذه الأمصار رجل ممن أخذ عن التابعين أجمعت الخاصة والعامة على قراءته وسلكوا فيها طريقه وتمسكوا بمذهبه على ما روى عن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت وعروة بن الزبير ومحمد بن المنكدر وعمر بن عبد العزيز وعامر الشعبي .

وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : القراءة سنة فاقرؤوه كما تجدونه .

وقال الشعبي : القراءة سنة فاقرؤوا كما قرأ أولكم .

وعن عروة بن الزبير قال إنما قراءة القرآن سنة من السنن فاقرءوه كما علمتموه .

وكان للصحابة رضي الله عنهم طرق عدة تتميز بها مدارسهم التي تعلم فيها التابعون رحمهم الله :

·     طريقة عثمان ابن عفان وابن مسعود وأبي بن كعب رضي الله عنهم أنهم كانوا يعلمون الناس كما أخذوا من النبي صلى الله عليه وسلم ،وقد حكى عنهم ذلك أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله ـ وعنهم أخذ القرآن فقال : قال إنا أخذنا هذا القرآن عن قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الأخر حتى يعلموا ما فيهن فكنا نتعلم القرآن والعمل به وإنه سيرث القرآن بعدنا قوم ليشربونه شرب الماء لا يجاوز تراقيهم بل لا يجاوز ها هنا ووضع يده على الحلق .

·     وفي المصنف لعبد الرزاق : أن بن مسعود رضي الله عنه إذا أصبح خرج أتاه الناس إلى داره فيقول : على مكانكم ثم يمر بالذين يقرئهم القرآن فيقول : يا فلان بأي سورة أنت فيخبرونه فيقول : بأي آية ؟ فيفتح عليه الآية التي تليها ثم يقول : تعلمها فإنها خير لك مما بين السماء والأرض ، قال فيظن الرجل أنها ليست في القرآن آية خير منها ثم يمر بالآخر فيقول له مثل ذلك حتى يقول لذلك كلهم .  

·     ولأن طريقة تعليم القرآن تعتمد على مراعاة حال المتعلمين فقد كان أبو عبد الرحمن السلمي يقرئ عشرين عشرين وخمسا خمسا ففي السبعة لابن مجاهد : عن ابن أبي خالد قال كان أبو عبد الرحمن يقرىء عشرين بالغداة وعشرين بالعشي ويعلمهم أين الخمس والعشر وكان يقرئنا خمسا خمسا .

·     وكذلك كان يقرئ تلميذه عاصم بن أبي النجود ، جاء في القراء الكبار للذهبي : قال أبو بكر شعبة بن عياش : تعلمت من عاصم خمسا خمسا ولم أتعلم من غيره ولا قرأت على غيره واختلفت إليه نحوا من ثلاث سنين في الحر والشتاء والأمطار

·              طريقة أبي موسى رضي الله عنه .

كان أبو موسى رضي الله عنه إذا صلى الصبح استقبل الصفوف رجلا رجلا يقرئهم.

وعن أبي رجاء العطاردي قال كان أبو موسى يقرئنا يجلسنا حلقا حلقا عليه ثوبان أبيضان فإذا قرأ هذه السورة  ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ) قال : هذه أول سورة أنزلت على محمد  صلى الله عليه وسلم  رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح .

·              طريقة أبي الدرداء رضي الله عنه :

قال الذهبي في معرفة القراء الكبار : كان أبو الدرداء إذا صلى الغداة في جامع دمشق اجتمع الناس للقراءة عليه فكان يجعلهم عشرة عشرة وعلى كل عشرة عريفا - ويقف هو في المحراب يرمقهم ببصره - فإذا غلط أحدهم رجع إلى عريفه فإذا غلط عريفهم رجع إلى أبي الدرداء يسأله عن ذلك .

أكتفي بما أوردته في هذا المطلب ، وذلك للاختصار .

نشأة الكتاتيب :

تعتبر تلك الحلقات القرآنية ـ من ابتداء نزول الوحي في غار حراء - بمثابة ما يعرف بمسمى الكُتَّابِ ، إلا أن الكُتَّابَ أطلق على المكان الذي يتعلم فيه الصبيان مبادئ القراءة والكتابة.

وجاء ـ في المصنف لابن أبي شيبة عن الوضين بن عطاء ـ قال : كان بالمدينة ثلاثة معلمين يعلمون الصبيان فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يرزق كل واحد منهم خمسة عشر كل شهر .

وهذا الأثر يوضح أن الكتاتيب ـ بالمسمى المعهود وبالعمل الذي يؤدى فيها ـ وُجِدت من عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

ويقول الأستاذ محمد الشربيني ـ متحدثا عن تطور الكتاتيب ـ : فكرة الكتاتيب (وهي أولى مراحل التعليم) :

1- تلقين الأطفال مبادئ القراءة ؛ عنى العرب منذ صدر الإسلام بتربية وتعليم أطفالهم عناية خاصة، فأبناء الخواص منهم كانوا يلقون عناية شديدة لتثقيفهم روحيا وتربيتهم بدنيا وعقليا، كما أن أبناء العوام لم يكن أمرهم مهملا. وكان التعليم في مدارس الأطفال (الكتاتيب) يقوم على القراءة، والكتابة وكان يقوم بالتعليم جماعة مخصوصة من الناس وكان لهم طرق في تعليم الأطفال المسلمين والعناية بتأديبهم وإصلاح أحوالهم وكان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين من بعده كتاتيب منتظمة يتعلم فيها أبناء المسلمين الأغنياء منهم والفقراء ز ومما ينبغي ذكره أنه كانت في المدينة دار تسمى "دار القرآن" أو  "دار القراء" وأن بعض القراء كانوا يسكنونها ليحفظوا آي القرآن الكريم ويجودوا قراءته. ولا شك أن المرحلة الأولى (الابتدائية) في الوقت الحاضر يتعلمون فيها القراءة وأصول الكتابة العربية.

2- ولما سارت جيوش المسلمين في فتوحاتهم  خارج الجزيرة العربية برزت فكرة "الكتاتيب القرآنية" بصورة واضحة، وتعددت في كافة الأقطار والأمصار التي حل فيها الفاتحون من المسلمين. ولقد أدى المسلمون الأولون من أهل الحجاز والشام والعراق ومصر دورا كبيرا في إنشاء هذه الكتاتيب في عهد الخلفاء الراشدين، ليعلموا أبناء هذه البلاد القرآن الكريم ويلقنوهم آيات من كتاب الله المبين، وهكذا وجدت الكتاتيب بكثرة في البصرة والكوفة والفسطاط والإسكندرية والقيروان وغيرها من أمهات العواصم العربية .

3- ولما اشتغل بنو أمية بأمر المسلمين ازدادت عنايتهم بالثقافة زيادة واضحة لتوسع رقعة الدولة وحاجتها إلى المتعلمين والمثقفين وقد نبغ في هذا العصر جمهرة من كبار المعلمين والمربين من ذوي المكانة السامية وكانت للأمويين عناية خاصة بتهذيب أبنائهم وأبناء رجالات دولتهم، فكانوا يرسلونهم إلى البادية لتفصح ألسنتهم ويستوي سلوكهم ، وقد ورد في ذكر ذلك أن قال الخليفة عبد الملك بن مروان: "أضر بالوليد حبنا له فلم نوجهه إلى البادية"، ولذلك خرج الوليد بن عبد الملك لحانة، وكذلك أخوه محمد، على عكس أخويهما هشام ومسلمة فإنهما كانا فصيحين لأنهما خرجا إلى البادية فتفصحا.

4-أما في العصر العباسي:  فلقد انتظم أمر هذه الكتاتيب بصورة فائقة نظرا لعناية الناس بأمر أولادهم من جهة ولاشتداد الدولة واهتمامها بالتعليم، بعد أن استقر لها الأمر ودانت لها كافة الأقطار. وهنا ظهرت الحركة العلمية الأدبية الدينية الفقهية وبلغت أقصى درجات التقدم والرقي في مجال العلوم الشرعية والإنسانية والعلوم التجريبية وسائر فروع المعرفة.

ثم تعرض ـ في بحثه القيم عن الكتاتيب ـ إلى أقسام المؤدبين ونوعياتهم ، وذكر أن هذه الكتاتيب تنقسم فنيا إلى قسمين ، كما تعرض لأهداف الكتاتيب ، وقد أجاد في بحثه وأفاد أيما إجادة .

 

كيف نُعِدُّ معلم القرآن ، والمشرف على حلقات التحفيظ :

بالنظر إلى ما تقدم ـ من حال النبي صلى الله عليه وسلم مع جبريل عليه السلام ومع الصحابة الكرام رضي الله عنهم ، وكيف كان الصحابة رضي الله عنهم مع التابعين ـ يمكننا أن نذكر الآتي :

ـ أهمية القرآن الكريم وعظيم مكانته في الإسلام .

ـ وجوب العناية بمعلم القرآن وإعداده إعدادا يتلاءم مع حجم المهمة التي يحملها .

ـ أن القرآن الكريم يجب أخذه مشافهة ، وعليه فيجب سماع الطالب لنطق المعلم للقرآن الكريم ، ومدارسة جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم خير دليل على ذلك .

ـ بذل المعلم جهده في نصح تلاميذه وحثهم على حفظ القرآن ، كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم ، وكما كان يفعل الصحابة الكرام مع تلامذتهم من التابعين.

ـ أن جودة الأداء مطلوبة في معلم القرآن ، فقد امتدح النبي صلى الله عليه وسلم حسن الصوت، وحسن القراءة .

ـ أن يُحَفِّظَ المعلمُ الطلاب القرآنَ الكريم مقترنا بالعمل ؛ كما كان يفعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم مع الصحابة رضي الله عنهم .

ـ مراعاة المعلم لحال الطلاب في عدد الآيات التي تُحْفَظُ كل يوم ، فقد يكون لا يقدر إلا على آية ، أو يقدر على خمس آيات أو عشر أو عشرين أو أكثر ، وهذا يعود لمعرفة المعلم لتلاميذه .

ـ المراجعة المستمرة للقرآن الكريم ، فهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها ـ كما جاء في الحديث الشريف ـ فعلى المدرس أن يحدد مقدار المراجعة اليومية لتلاميذه .

ـ وجوب استماع المعلم لقراءة التلميذ ، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع ابن مسعود رضي الله عنه ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ‏"‏ اقْرَاْ عَلَىَّ الْقُرْانَ ‏"‏ ‏.‏ قَالَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقْرَاُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ اُنْزِلَ قَالَ ‏"‏ إِنِّي أَشْتَهِي أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي ‏"‏ ‏.‏ فَقَرَاْتُ النِّسَاءَ حَتَّى اِذَا بَلَغْتُ ‏: ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً) (النساء:41) رَفَعْتُ رَاْسِي
اَوْ غَمَزَنِي رَجُلٌ اِلَى جَنْبِي فَرَفَعْتُ رَاْسِي فَرَاَيْتُ دُمُوعَهُ تَسِيلُ . متفق عليه .

ـ حسن الهيئة أمر مشروط في معلم القرآن الكريم ، فالتزام السنة في المظهر والثياب أمر لا بد منه ، وأفضل الثياب البيض ؛ وقد وردت الآثار باستحبابها .

ـ الثناء على تلاميذه ، وبث روح الحماس فيهم بالكلمة والهدية وغير ذلك .

وإذا استطعنا أن نطبق هذه الضوابط ـ التي استلهمناها من حال النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام رضي الله عنهم ـ نكون ـ بإذن الله ـ قد أعددنا معلم القرآن ومشرف حلقات القرآن على أفضل وجه .

وسيأتي ـ بإذن الله ـ زيادة بسط لهذه النقطة في الأبحاث القادمة .

المعلم الكفء :

ومما تقدم يتضح لنا أن إعداد المعلم الكفء - لحلقات التحفيظ - ضروري وواجب تضطلع به الجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم، وكل مهتم بالقرآن وتعليمه .

وأهم الضوابط ـ التي يمكنني أن أضعها للمعلم الكفء ـ هي :

1-             الإتقان في الحفظ والتجويد ، ويكون ذلك بالممارسة على قراء متقنين .

2-             المعرفة التامة بالتجويد النظري .

3-             الخلفية العلمية والثقافية التي تمكنه من نصح التلاميذ وتربيتهم بالقرآن الكريم.

4-     بأن يسعى المعلم لتطوير نفسه ذاتيا؛ بالمشاركات العلمية والإدارية، والقراءة على المشايخ والحصول على الأسانيد في القراءة .

5-     بالاقتداء بالأساتذة الكبار ممن نجحوا في حلقات التحفيظ وتخرج بهم المتقنون من الحفاظ؛ وذلك بزيارتهم أثناء العمل واستشارتهم .

6-             بالعناية بكل ما ينظم العمل في حلقته ويرفع مستوى الحفظ لدى الطلاب .

7-             بضبط الحلقة والوقت والتسميع في حلقته .

8-             بضبط الأعمال الكتابية في الحلقة في السجل اليومي والتقارير .

9-             بالعناية بتوجيهات الجمعية .

10-        بالتعاون مع المشرف على الحلقات لمصلحة العمل في الحلقة .

11-        بالإنتاجية الجيدة ، وتقديم الطلاب للاختبارات .

معوقات الحفظ في حلقات التحفيظ :

إن عدم التزام المدرس بمنهجية مدروسة ـ تتمركز على الانضباط في عمله ـ يؤدي به إلى عدم النجاح الذي يتمناه ونتمناه، كما أن الطوارئ المشغلة تعتبر من أهم معوقات الحفظ .

وفي الاجتماعات الشهرية ناقشت المدرسين ـ أكثر من مرة ـ عن أسباب تدني الحفظ في حلقات التحفيظ ، وقد خرجنا ـ من مناقشة الموضوع ـ بتقسيم الأسباب إلى ثلاثة أقسام.

القسم الأول : أسباب من خارج الحلقة :

1-   إن عدم عناية كثير من أفراد المجتمع بحفظ أولادهم للقرآن ـ حتى لو كان أبناؤهم في حلقات التحفيظ ـ يعد من أهم الأسباب .

2-   الصوارف الترفيهية الملهية ـ من إعلام وملاهي ـ لمن هم في سن التعليم تمنع الكثيرين من ارتياد الحلقات ، أو تشغلهم عن الاستعداد بالواجبات لها ، والضعف في التعليم العام خير شاهد على ذلك .

3-   عدم عناية الجمعيات بتقدم الطلاب ، ووضع المحفزات الداعمة لتقدم الطلاب وتنافسهم في حفظ القرآن الكريم .

4-   عدم التصنيف الواضح للمدرسين ـ حسب فئات لها حوافز مادية ومعنوية ـ حتى يتم التنافس بينهم للوصول إلى أفضل المراتب .

5-       التعليم العام وأثره على حلقات التحفيظ .

إن تعليم القرآن في حلقات التحفيظ لن يكون بمنأى عن المحاضن التعليمية الأخرى ، فيتأثر بها سلبا وإيجابا ، فيتأثر بأكثر ما يحدث في تلك المحاضن ، ويمكن أن نذكر الشواهد التالية :

أ ـ تأثر الحلقات بالاختبارات ، سواء كانت اختبارات فصلية أو نهائية ؛ فكثير من أولياء الأمور يرغبون في إعطاء أبنائهم إجازة لتلك الاختبارات ، ونحن بدورنا نستجيب ـ غالبا ـ لئلا يلقى اللوم ـ عند حصول الطالب على نتائج غير مرضية ـ على الجمعية .

ب ـ تأثر الحلقات بالإجازات السنوية ـ وخاصة الصيفية ـ حيث نرى كثيراً من الطلاب يذهبون للاصطياف مع ذويهم ، أو يسافرون إلى قراهم وبلدانهم .

ج ـ يطلب كثير من المعلمين تغيير وقت العمل في الحلقات أثناء الإجازات الصفية مراعاة لحال الطلاب ، حيث يشترك كثير منهم في المراكز الصيفية والأندية الرياضية في المساء ، وأنا ـ في الحقيقة ـ مع المعلمين والطلاب في الاستجابة لمثل هذا المطلب فهو من أقل الأمور التي تنفذ لمصلحة الحلقة القرآنية واستمرار الطلاب فيها .

القسم الثاني : أسباب من داخل الحلقة : وأذكر منها :

1ـ عدم انضباط المدرس في الوقت وترتيب الحلقة والواجبات .

2ـ الانشغال بالمهم عن الأهم ؛ فينشغل بكمية المحفوظ عن كيفية الحفظ وجودته .

3ـ عدم متابعة غياب الطلاب مع الإدارة وأولياء الأمور .

4ـ عدم التجديد في الحلقة وإذكاء روح التنافس بين الطلاب .

5ـ ضعف الحفظ عند بعض المدرسين بسبب ترك المراجعة وتطوير الذات .

6ـ ضعف التعاون بين المشرف والمدرس وإدارة الجمعية .

7ـ انشغال المدرس ببعض الأمور الشخصية خارج الحلقة ، فيأتي منهك القوى خائر العزيمة .

8ـ شعور المدرس الدائم بأنه لم يعط المكانة الصحيحة والأجرة المكافئة لعمله .

القسم الثالث : معلم القرآن والواقع المعيشي:

من المسلم به أن معلم القرآن لا ينال ـ على عمله الجليل الذي يقوم به ـ من الأجر إلا القيل بل أقل من القليل .

إن الحديث عن هذه النقطة مهم للغاية ؛ فالعناية بالواقع المعيشي للمعلم والمشرف من أهم الأمور التي يجب العناية بها من أجل استقرار هما وأداء عملهما على أحسن وجه.

وعند حديثي عن هذه النقطة لن أتعرض لخلاف الفقهاء في جواز اشتراط الأجرة على تعليم القران الكريم ، أو جواز أخذ العطيه على تعليم القران الكريم .

ولأهمية هذه النقطة ـ خاصة في عصر كثرت فيه حاجات الناس ومطالبهم في مجالات الحياة ـ سأمهد لها بنبذة يسيرة عن الجهد الذي يقوم به معلم القرآن في حلقات التحفيظ ، ويخدم به المجتمع ، بل ويخدم مجموع الأمة .

إن الجهد الذي يبذله معلم القران يفوق كل جهد يبذله كل معلم وذلك للأسباب الآتية :

·   غالب من يأتيه من الطلاب غير مهيئين ، لأنهم يكونون متعبين بعد يوم دارسي، ولأنهم بمجيئهم يُحْرَمون من فترة اللعب أو مشاهدة التلفاز وأكثر برامج الأطفال تكون في تلك الفترة .

·   انحراف الألسنة عن النطق العربي يؤدي ـ غالباً ـ إلى صعوبة النطق بألفاظ القرآن خاصة في بعض الألفاظ التي تعوّد الطالب نطقها بالعامية التي يستخدمها .

·   اختلاف مواقع الدرس عند الطلاب مما يجعل المدرس يدرس عدداً من المجاميع في وقت واحد ، ولكن البركة من عند الله مع تنظيم الوقت والجد والمثابرة من المدرس

·   اختلاف مدارك الطلاب وتفاوت قدراتهم تجعل المدرس يتعامل مع عقول شتى لتحفيظهم شيئاً واحداً وهو القرآن الكريم - وبكيفية واحدة - بالتجويد وحسن الأداء . 

·   العمل في الحلقات بعيداً عن الإدارة الحاضرة التي تعينه مباشرة على ما يحدث في الحلقة مما يجعله عرضة لكثير من المشاكل .

كما أن معلم القران يقوم بعدد من الجوانب الهامة في حياة المجتمع :

ففي الجانب الأمني : يقوم مدرس القران ـ بإذن الله ـ بحراسة أبناء المسلمين في أمور اذكر منها :

· حفظهم عن الطرقات مما يحفظهم من العدوان على غيرهم أو الاعتداء عليهم سواء بالألفاظ السيئة أو الضرب أو حوادث السيارات ، أو أي شيء يورث أخلاقاً سيئة أو يضر بالأنفس أو الأرواح .

وأذكر حياً من الأحياء كان كثير المشاكل حتى إن الشرطة دائمة الحضور ـ لفض النزاعات ـ خاصة في فترة العصر حيث يجتمع أطفال الحي للعب في الشارع وكانت تشتد بينهم الخصومة ـ حتى تصل إلى الآباء ـ فلما فتحت الجمعية أربع حلقات في مسجد الحي انتهى كل شيء في الشارع وجلس الجميع مع كتاب الله في المسجد .

وقد تابعت كلام بعض ذوي الحجا ـ من ولاة الأمر والعلماء والقضاة والمفكرين في وسائل الإعلام ـ الذين لمحوا الجانب الأمني فراحوا يعلون من شأن جمعيات تحفيظ القرآن الكريم ويدعون إلى التبرع لها مظهرين الجوانب العظيمة التي تقوم بها ، ومن أَجَلِّ تلك الجوانب حفظ أبناء الأمة من الضياع والانشغال بملهيات الدنيا وصوارف الشيطان .

· يقوم المعلم بتربية الأبناء بأخلاق القران وألفاظه ومعانيه ، تلك المعاني التي تربى عليها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم من الأخيار والصالحين .

· وفي الجوانب التعليمية ترى طلاب حلقات التحفيظ رواد الخطابة والقراءة والكتابة في مدارسهم ، بل إن حافظ القران هو صاحب العقل الواعي والذهن النقي فهو المتفوق في العلوم النظرية والتطبيقية .

· إني أستطيع أن أجزم بان الجوانب التي تقوم بها الجمعيات الخيرية وحلقات التحفيظ توازي أو تفوق ما تقوم به عدد من الجهات في الأمن والتربية والتعليم .

·   واني إذ أجزم بذلك أحمل من الشواهد على ذلك الشيء الكثير فمثلاً :

· طلاب حلقات القرآن يجلسون في المساجد أفضل الأمكنة وأعلاها وأكرمها وأبركها قال تعالى : ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ) (النور:36)

·   وطلاب التحفيظ يعرفون قيمة المسجد ويطبقون آدابه في الدخول والخروج والطهارة.

· وطلاب التحفيظ يؤدون مع معلمهم ـ غالباً ـ عدداً من الصلوات جماعة في المسجد مما يورثهم تعود الطاعة في بيوت الله جماعة مع المصلين .

· كما أن طلاب حلقات التحفيظ يتعلمون الصبر على الطاعة والعمل المستمر لجلوسهم أحياناً يقرؤون عدداً من الساعات المتتابعة .

· وطلاب حلقات التحفيظ أحسن الطلاب تعاملاً مع آبائهم ومعلميهم وجميع أفراد المجتمع؛ وذلك لما يرثونه من الأخلاق التي يحملها القران الكريم .

·   وطلاب حلقات التحفيظ محل نظر المجتمع وتقديره لاتصالهم بكتاب الله وتحليهم بآدابه.

وبناءً على ما تقدم أتساءل بجد واهتمام هل نال معلم القران من الأجر المادي ما يوازي الأعمال التي يقوم بها في حلقات تحفيظ القرآن ؟.

أحسب أن الجميع يوافقني بأن معلم القرآن لا يعطى من الأجر المالي ما يوازي ما يقوم به من أعمال جليلة ، بل لا يوازي بعض ما يقوم به في خدمة كتاب الله وفي تربية أبناءنا وتعليمهم.

إذن : أرجو أن يعاد النظر في مسألة المكافأة القليلة التي تعطى لمعلم القران الكريم حتى يكون أكثر استعداداً وأحسن أداء وأنقى نفساً وحتى يحس بتكريمنا له وعنايتنا به .

إننا نرى كثيراً من معلمي القرآن يأتون إلى الحلقات وهم أكثر إرهاقا وتعباً ، وذلك يعود لما يبذلونه من جهد ـ وأعمال إضافية خارج الحلقة ـ من أجل الحصول على بعض المال يساعدهم في تحصيل الضروري ـ فقط ـ من الطعام والشراب لهم ولمن يعولونهم .

إن معلم القرآن الكريم قد تؤدي به الحاجة أحيانا إلى امتهان أعمال لا تليق بمكانة حامل القران ووريث النبي r وحامل رسالته إلى الناس , وأخشى أن نكون جميعاً محل المساءلة ـ أمام الله ـ إذا لم نعط معلم القران مكانته الصحيحة مالياً واجتماعياً .

 

وأخيراً :هذه بعض النصائح أهديها لأخي محفظ القرآن .

·   أخي المعلم إن ما يحفظه الطالب بين يديك هو أفضل علم تقدمه لله ثم لنفسك وللإسلام والمسلمين وهو أهم علم تنتفع به في عاقبة أمرك، فعن أبي هريرة أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال : إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة ؛ إلا من صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له . رواه مسلم .

ولا شك أن القران أفضل علم ينتفع به .

·        حافظ على أن تكون قراءة الطالب واضحة بصوت مسموع ومجودة ، لتجمل أصواتهم وألسنتهم بكتاب الله .

  • حاول ما استطعت تربية الطلاب بالدروس التي تستلهمها من آيات القران ، واجعل الطلاب يعيشون القران الكريم واقعاً في حياتهم .
  • كن أخي المدرس أول مطبق لآيات القران حتى تكون قدوة صالحة لتلاميذك .
  • أخي المدرس أنت طبيب ومربي لطلابك ـ في نفس الوقت ـ فتلمس القصور في طلابك في الحفظ والسلوكيات وضع العلاج الناجع الناجح للإصلاح ما استطعت ففلذات الأكباد بين يديك بساتين فازرع فيها الخير والفضل .

 


مؤهلات اختيار المشرف على حلقات التحفيظ :

لاشك أن تطوير كل عمل ينبني على الدراسات الواعية التي يقدمها القائمون على ذلك العمل من أجل الوصول به ـ كرسالة يؤمنون بها ويذلون ما يستطيعون لأجلها ـ إلى الهدف المنشود .

ولا يمكن أن يقدم الدراسات الواعية إلا من كانت له ملكةٌ اكتسبها بكثرة متابعة الحلقات ، وخَبَرَ المتغيرات والتطورات التي تواكب العملية التعليمية ، ويكون قد حمل من المؤهلات العلمية والمعارف القرآنية الشيء الكثير ، بل زاد ـ على ذلك ـ القراءة على أئمة القرءات ، وضبط القراءة  عليهم ـ على أقل تقدير الرواية الشائعة والتي تُعَلَّم في حلقات التحفيظ ـ رواية حفص عن عاصم رحمهما الله .

ويمكنني أن أذكر بعض المؤهلات التي ينبغي أن تتوفر في المشرف على حلقات التحفيظ ـ خاصة - وهو المعلم لمعلمي التحفيظ والموجه التربوي لهم ـ :

ـ حصوله على شهادة تعليمية ، وأقل ما يكون من ذلك الشهادة الجامعية ـ ولو كانت في مجال القرآن الكريم فهو الأفضل ـ حتى يتمكن من التعبير عما يريد إلقاءه على المدرس أو المدرسين ، ويكون أقرب إلى إيجاد المعلومة ومعرفة مظانها .

ـ أن يكون حافظا للقرآن الكريم متقنا له ومجودا له ؛ حتى يتمكن من تقييم أداء المدرس وحفظ الطلاب .

ـ حصوله على سند في القراءة من القراء المتقنين حتى يميز بين أداء المدرسين ، وكيفية نطق الطلاب بكلام الله ، ومدى اجتهاد المدرس في حلقته .

ـ أن تكون لديه الخبرة الوافية بكيفية العمل في حلقات التحفيظ ، ويعرف أفضل الطرق للنجاح في تعليم كتاب الله .

ـ استخدام أفضل الأساليب في توجيه المدرس في حلقات التحفيظ ؛ وذلك بالثناء على الإيجابيات في أداء المدرس وإظهارها ، وضبط السلبيات ومساعدة المدرس في تلافيها.

- تطوير نفسه علمياً وإدارياً – تمشياً مع التطوير الذي نشهده – حتى يتمكن من التجديد في أدائه للمهمة التي أسندت إليه .

 


واجبات المشرف على حلقات التحفيظ :

إن الواجب الذي يقوم به المشرف في حلقات التحفيظ لا يقل عما يقوم المدرس بأدائه ، فكما أن المعلم يقوم على تعليم عدد من الطلاب ـ كيفية القراءة ويحفظهم كتاب الله ـ فكذلك المشرف يقوم بنفس الدور ـ تقريبا ـ مع المدرسين ، لكنه يختلف في الطريقة، فالموجه يكلم أخا له مساويا له في العمر - بل ربما كان يكبره عمرا وأقدم منه في حلقات التحفيظ ، ولذلك يلزم أن يكون المشرف أكثر حذرا في مجال عمله ،وأشد حيطة في تعامله مع المدرسين .

وبقدر ما يتواضع المشرف ـ لإخوانه المدرسين ـ يكون نجاحه في أداء عمله التوجيهي، ويكون المدرسون أكثر قربا منه ، ويستفيدون من توجيهاته ، وعليه فواجبات المشرف في حلقات التحفيظ تدور بين تكميل عمل المدرس ، وتصحيح مسار التدريس .

ويمكنني أن أذكر أهم النقاط التي يؤديها المشرف في عمله التوجيهي في حلقات التحفيظ:

أ – يقوم بوضع خطة سنوية أو فصلية أو شهرية لعمله ، يعمل بموجبها ؛ لأن العمل الذي يسير فيه صاحبه وفق خطة مدروسة غالبا يكون النجاح حليفه ، وأهم الأعمال التي يخطط لها ـ لمكانتها في الأمة وعظيم شأنها ـ هي تلك الأعمال التي لها الأثر الأكبر في أخلاق الأمة وسلوكياتها ، ولا شك أن القرآن الكريم وتعلمه وتعليمه يجب أن يكون له الحظ الأوفر في ذلك الاهتمام والتخطيط ؛ وذلك لأهميته لدى الأمة ، ولأن الأمة مطالبة بالمحافظة عليه ، قال سبحانه : ( وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ) (الزخرف:44)  .

ب-  المتابعة الجادة لسير العمل في الحلقات ، ويكون ذلك :

بتصنيف الحلقات والمدرسين ؛ فقد يكون المدرس مجتهدا وكفأً ولكن نوعية الطلاب لا تساعد على التقدم ؛ ويَنْصَبُّ عمل المشرف في هذه الحلقة على الجوانب الإدارية ؛ وذلك بمساعدة المدرس في ضبط الحلقة في جميع نواحي الضبط التي ذكرتها سابقا في الضبط .

وقد يكون المدرس كفأً ويحتاج لبعض الدفع حتى يكون عاملا في حلقته ، فيحتاج الموجه معه إلى إبراز جوانب التفوق عند المدرس ، ويستخدم الوسائل النافعة لتفعيل إمكانيات المدرس في الحلقة ؛ وذلك بكثرة المتابعة واللقاءات .

قد يكون المدرس كفأً ولكنه يواجه بعض الصعوبات من بعض السلوكيات في الحلقة والتي تؤثر على العمل في الحلقة ، وهنا يتعين على المشرف أن يقف مع المدرس فيما يحدث له من مشاكل في حلقته ـ سواء من طلاب الحلقة أو من خارج الحلقة ـ ويقوم بدراستها ومعرفة مصادرها والعمل على قطع تلك المصادر وإنهائها ، وبهذا يشعر المدرس بوقوف المشرف معه ، فيصبح أكثر فاعلية في أداء عمله ، وأكثر اجتهادا .

وقد يكون المدرس غير كفء أو مبتدأً في التدريس في حلقات التحفيظ ، فيقوم المشرف بتكثيف الزيارة والمتابعة الدائمة وقياس الأداء في الحلقة ومدى التقدم الذي يحدث فيها .

وأما إن كان المدرس مجتهدا في عمله يقدم أفضل النتائج في الاختبارات ، ويتبع أفضل الطرق والأساليب في عمله ، فلا شك أنه سيكون في محل التقدير من المشرف على الحلقة ومن العاملين في مجال حلقات التحفيظ ، وعليه فزيارة المشرف له غالبا ما تكون للاطمئنان والشكر له على ما يبذله في حلقته من جهد .

ج ـ يقوم الموجه بمتابعة الطلاب ـ في الحلقات ـ من حيث :

ـ التقدم في الحفظ  .

ـ الحضور والغياب .

ـ جودة الأداء والحفظ .

ـ أعداد المتقدمين للاختبارات ، والأفرع التي تقدموا فيها .

- تحفيز الطلاب بالكلمات التوجيهية والجوائز العينية .

د ـ الترتيب للاجتماعات الشهرية ، ومناقشة الأمور المهمة في حلقات التحفيظ مثل :

ـ ضبط الحلقة إداريا .

ـ والتأسيس للطلاب المبتدئين ، وحصر مواقع الخطأ في نطق الطلاب في بداية الحفظ، خاصة في السور التي يُبتدأ بها في الحفظ ؛ مثل الفاتحة والناس والفلق إلى سورة النبأ.

ـ أفضل الطرق لضبط المراجعة خاصة مع تقدم الطلاب في الحفظ .

ـ التذكير بواجبات المعلم الكتابية في الحلقة ، ومنها :

ـ السجل وكيفية استعماله وتفعيله في الحلقة .

ـ النماذج الموضوعة من قل الجمعية والعمل على تفعيلها .

هـ ـ ومن واجبات المشرف عمل التقارير الدورية عن الحلقات التي يقوم بالإشراف عليها ، وعمل التقارير الطارئة لما يستجد في الحلقات .

و ـ المشاركة الفاعلة في إعداد البرامج المفيدة في مجال عمله ، وإثراء ه بالبحوث والدراسات الواعية من أجل رفع مستوى التعليم في حلقات التحفيظ .

ز ـ المشاركة في الاحتفالات التي تقيمها الجمعية حضورا وإعدادا .

ح ـ أن يمثل الجمعية التي ينتمي إليها ، وأن يدافع عنها ، ويعمل كل ما يستطيعه من أجل المساعدة في الوصول بها إلى الغاية والهدف الذي أنشئت من أجله .

 

رفع مستوى الأداء عند معلم القرآن والمشرف على حلقات التحفيظ

أولاً : إقامة الدورات وتبادل الخبرات .

تقدم ـ سابقا ـ أنه لابد من التخطيط لكل عمل هام ، وأن كل عمل يقوم على دراسة واعية ـ وتخطيط سليم ـ تكون نتائجه أفضل من الأعمال العشوائية .

ولذلك كان لزاما على كل مجتهد ـ في أي عمل ـ أن يركز على رفع مستوى العاملين لديه ليحصل على الجودة المرجوة في الإنتاج .

إن إقامة الدورات في مجال العمل - سلوكيا وعلميا وإداريا ، واستضافة ذوي الخبرة في مجال التحفيظ - تؤدي إلى رفع المستوى التعليمي للمدرسين والموجهين وجميع العاملين في مجال حلقات التحفيظ .

وكم أسعد عندما أرى الإعلان تلو الإعلان عن إقامة الدورات في هذا المجال في إدارة الحلقات والجودة الشاملة ، وتأثير القرآن في حياة الفرد والأسرة والمجتمع .

ومما يرفع مستوى العمل لدى العاملين - في هذا الحقل المبارك - زيارة الحلقات الناجحة والجمعيات الناجحة ، والاطلاع عن كثب عن الجهود المبذولة لإنجاح هذا العمل المبارك .

ويجدر بمدرس القرآن والمشرف على حلقات التحفيظ وكل من يعمل في هذا الحقل المبارك العمل على رفع مستواه العلمي والإداري في هذا الجانب حتى يكون أفضل أداءً وأكثر إنتاجا، قال صلى الله عليه وسلم : المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير .

ثانياً : الحوافز المادية والمعنوية .

وأعني بالحوافز المعنوية : كل حافز يفيد العامل - تقدما - في مجال التحفيظ ويجعله أكثر فاعلية واجتهادا وإنتاجا .

وهذه الحوافز هي التي تدوم مع العاملين ، وتكون محل فخرهم واعتزازهم ، وهي الأوسمه التي تخلد ذكرهم ، وتكون حافزا لغيرهم من العملين .

ويمكنني أن أذكر بعض الحوافز التي تحضرني ، فمن أهم تلك الحوافز :

ـ حصول العامل على حقوقه الوظيفية كاملة من غير نقص ، فالرواتب ، والعلاوات، والمحفزات على الإنتاج أمور مهمة في حياة العاملين في أي مجال .

ـ تسهيل أمور العامل في مجال عمله ، وعدم تحميله أي أعباء خارج العمل .

- خطابات الشكر وشهادات التقدير، من أهم ما يفتخر به العامل في أي مجال .

الخاتمة : وفيها نتائج البحث والتوصيات .

نتائج البحث :

لقد خلصت في بحثي المتواضع إلى عدد كبير من النقاط أذكر منها :

1-       أن العمل في تعليم القرآن من أشرف الأعمال .

2-       أن الأمة لا علو لها إلا بكتاب الله فهو الطريق المستقيم إلى الله .

3-       أن معلم القرآن لم ينل المكانة اللائقة له في المجتمع .

4-       أن تعليم القرآن لم ينل منا العناية الكافية بحيث نتمكن من تحفيز المجتمع للعناية بحفظ القرآن الكريم .

5-   أن الاهتمام بالقرآن الكريم وحفظه واجب على جميع الأمة ، وأنها تأثم ـ كلها ـ بتقصيرها في هذا الواجب .

6-       أن معلم القرآن يحمل عن الأمة هذا الواجب الكفائي ، وهو العناية بالقرآن الكريم وتحفيظه .

التوصيات :

ويمكنني أن أذكر ـ مختصراً ـ هذه التوصيات :

1-   تكثيف هذه اللقاءات ـ المباركة ـ التي نتدارس فيها هذه القضايا التي تهتم بكتاب الله وعلمه وتعليمه .

2-       العناية بجميع العاملين في حقل تعليم القرآن الكريم وتعلمه .

3-       إظهار مكانة حامل القرآن ومعلم القرآن ـ وما أعطاهما الله من فضل ـ عبر وسائل الإعلام جميعها .

4-       وضع المحفزات التي ترفع المستوى التعليمي في حلقات التحفيظ .

5-       تفعيل الدراسات التي تقدم في مثل هذه اللقاءات المباركة .

6-       تكثيف الزيارات بين جمعيات تحفيظ القرآن وتبادل الخبرات .

أكتفي بما ذكرت وأسأل الله سبحانه التوفيق والسداد ، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم .

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين .

 

 

د. محمد يحيى غيلان .


الفهرس

 

الفهـــــــــرس

الصفحة

المقدمة

2

شكر وتقدير

3

فضل تعلم القرآن

4

القرآن الكريم بين النبي صلى الله عليه وسلم وجبريل عليه السلام

5

القرآن الكريم بين النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام رضي الله عنهم

6

التعليم الفردي

8

التعليم الجماعي

8

القرآن الكريم بين الصحابة رضي الله عنهم والتابعين رحمهم الله

13

طرق بعض الصحابة رضي الله عنهم في تعليم القرآن الكريم

15

نشأة الكتاتيب

16

كيف نعدُّ معلم القرآن الكريم

18

المعلم الكفء

19

معوقات الحفظ في حلقات التحفيظ

20

القسم الأول : معوقات من خارج الحلقة

20

القسم الثاني : معوقات من داخل الحلقة

21

القسم الثالث : معلم القرآن والواقع المعيشي

22

بعض الجوانب الهامة التي يقوم بها معلم القرآن

23

الشواهد والأدلة على دور معلم القرآن في حلقات التحفيظ

24

نصائح لمعلم القرآن

25

مؤهلات اختيار المشرف على حلقات التحفيظ

26

واجبات المشرف على حلقات التحفيظ

27

رفع مستوى الأداء عند معلم القرآن والمشرف على حلقات التحفيظ

29

أولاً : إقامة الدورات

29

ثانياً : الحوافز المادية والمعنوية

30

الخاتمة

30

نتائج البحث

30

التوصيات

31

فهرس الموضوعات

32

 

المدينة ورمضان

 
برمجة وتصميم ELSAQQA